فصل: تفسير الآية رقم (8):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (41- 44):

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)}
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ} بالقرآن، {لَمَّا جَاءَهُمْ} ثم أخذ في وصف الذكر وترك جواب: {إن الذين كفروا}، على تقدير: الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم. وقيل: خبره قوله من بعد: {أولئك ينادون من مكان بعيد}. {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} قال الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كريم على الله. قال قتادة: أعزه الله عز وجل عزًا فلا يجد الباطل إليه سبيلا.
وهو قوله: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} قال قتادة والسدي: الباطل: هو الشيطان، لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه.
قال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا معنى {الباطل}: الزيادة والنقصان.
وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله. {تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم.
فقال: {مَا يُقَالُ لَكَ} من الأذى، {إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} يقول: إنه قد قيل للأنبياء والرسل قبلك: ساحر، كما يقال لك وكذبوا كما كذبت، {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} لمن تاب وآمن بك {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لمن أصر على التكذيب.
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ} أي: جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس، {قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا} بغير لغة العرب، {لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها، {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} يعني: أكتاب أعجمي ورسول عربي؟ وهذا استفهام على وجه الإنكار، أي: أنهم كانوا يقولون: المنزل عليه عربي والمنزل أعجمي.
قال مقاتل: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على يسار، غلام عامر بن الحضرمي، وكان يهوديًا أعجميًا، يكنى أبا فكيهة، فقال المشركون: إنما يعلمه يسار فضربه سيده، وقال: إنك تعلم محمدًا، فقال يسار: هو يعلمني، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {قُلْ} يا محمد، {هُوَ} يعني القرآن، {لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} هدى من الضلالة وشفاء لما في القلوب، وقيل: شفاء من الأوجاع.
{وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} قال قتادة: عموا عن القرآن وصموا عنه فلا ينتفعون به، {أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} أي: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم، وهذا مثل لقلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون.

.تفسير الآيات (45- 47):

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)}
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ} فمصدق ومكذب كما اختلف قومك في كتابك، {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم، {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} من صدقك، {مُرِيبٍ} موقع لهم الريبة.
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ}.
{إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: علمها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره، {وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا} قرأ أهل المدينة والشام وحفص: {ثمرات}، على الجمع، وقرأ الآخرون {ثمرة} على التوحيد، {مِنْ أَكْمَامِهَا} أوعيتها، واحدها: كم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الكفرى قبل أن تنشق. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ} إلا بإذنه، يقول: يرد إليه علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} ينادي الله المشركين، {أَيْنَ شُرَكَائِيَ} الذين كنتم تزعمون أنها آلهة، {قَالُوا} يعني المشركين، {آذَنَّاكَ} أعلمناك، {مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} أي: من شاهد بأن لك شريكًا لما عاينوا العذاب تبرأوا من الأصنام.

.تفسير الآيات (48- 50):

{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)}
{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ} يعبدون، {مِنْ قَبْلُ} في الدنيا {وَظَنُّوا} أيقنوا، {مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ} مهرب.
{لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ} لا يمل الكافر، {مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} أي: لا يزال يسأل ربه الخير، يعني المال والغنى والصحة، {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ} الشدة والفقر، {فَيَئُوسٌ} من روح الله، {قَنُوطٌ} من رحمته.
{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا} آتيناه خيرًا وعافية وغنى، {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} من بعد شدة وبلاء أصابته، {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} أي: بعملي وأنا محقوق بهذا، {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} يقول هذا الكافر: لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر على ذلك، ورددت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، أي: الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة. {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لنقفنهم على مساوىء أعمالهم، {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}.

.تفسير الآيات (51- 54):

{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)}
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} كثير والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة، فيقال: أطال فلان الكلام والدعاء وأعرض، أي: أكثر. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ} هذا القرآن، {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} خلاف للحق بعيد عنه، أي: فلا أحد أضل منكم.
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني منازل الأمم الخالية. {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} بالبلاء والأمراض.
وقال قتادة: في الآفاق يعني: وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم يوم بدر.
وقال مجاهد، والحسن، والسدي: {في الآفاق}: ما يفتح من القرى على محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين، {وفي أنفسهم}: فتح مكة. {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} يعني: دين الإسلام. وقيل: القرآن يتبين لهم أنه من عند الله. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، يتبين لهم أنه مؤيد من قبل الله تعالى.
وقال عطاء وابن زيد: {في الآفاق} يعني: أقطار السماء والأرض من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار، {وفي أنفسهم} من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، حتى يتبين لهم أنه الحق.
{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} قال مقاتل: أو لم يكف بربك شاهدًا أن القرآن من الله تعالى. قال الزجاج: معنى الكفاية هاهنا: أن الله عز وجل قد بين من الدلائل ما فيه كفاية، يعني: أو لم يكف بربك لأنه على كل شيء شهيد، شاهد لا يغيب عنه شيء.
{أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ} في شك من البعث، {أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} أحاط بكل شيء علمًا.

.سورة الشورى:

مكية.

.تفسير الآيات (1- 3):

{حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)}
{حم عسق} سئل الحسين بن الفضل: لم يقطع حم عسق ولم يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها سورة أوائلها حم، فجرت مجرى نظائرها، فكان {حم} مبتدأ و{عسق} خبره، ولأنهما عُدَّا آيتين، وأخواتها مثل: {كهيعص} و{المص} و{المر} عدت آية واحدة.
وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في {كهيعص} وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في {حم} فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا وقال: معناها حُمَّ أي: قضى ما هو كائن.
وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ح حلمه، م مجده، ع علمه، س سناؤه، ق قدرته، أقسم الله بها.
وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: ح حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز من قريش، م ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع عدو لقريش يقصدهم، س سيء، يكون فيهم، ق قدرة الله النافذة في خلقه.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحيت إليه {حم عسق}. فلذلك قال: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ}. {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ} قرأ ابن كثير {يوحى} بفتح الحاء وحجته قوله: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك} [الزمر- 65]، فعلى هذه القراءة قوله، {اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} تبيين للفاعل كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله العزيز الحكيم.
وقرأ الآخرون {يوحي} بكسر الحاء، إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم.
قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أخبار الغيب.

.تفسير الآيات (4- 7):

{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)}
{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} أي: كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين: {اتخذ الله ولدا} نظيره في سورة مريم: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدا تكاد السموات يتفطرن منه} [مريم 88- 90]. {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ} من المؤمنين، {أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} يحفظ أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها، {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} لم يوكلك الله بهم حتى تؤخذ بهم.
{وَكَذَلِكَ} مثل ما ذكرنا، {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى} مكة، يعني: أهلها، {وَمَنْ حَوْلَهَا} يعني قرى الأرض كلها، {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} أي: تنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين وأهل السموات وأهل الأرضين {لا رَيْبَ فِيهِ} لا شك في الجمع أنه كائن ثم بعد الجمع يتفرقون. {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}.
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا أبو منصور الخشماذي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي، حدثنا بشر بن بكر، حدثني سعيد بن عثمان عن أبي الزاهر، حدثنا جرير بن كريب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال الثعلبي: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضًا على كفيه ومعه كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قلنا: لا يا رسول الله، فقال: «للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا بناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة»، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذًا يا رسول الله؟ فقال: «اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال: {فريق في الجنة} فضل من الله، {وفريق في السعير}، عدل من الله عز وجل».

.تفسير الآية رقم (8):

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8)}
قوله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: على دين واحد. وقال مقاتل: على ملة الإسلام كقوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} [الأنعام- 35]، {وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ} في دين الإسلام، {وَالظَّالِمُونَ} الكافرون، {مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ} يدفع عنهم العذاب، {وَلا نَصِيرٍ} يمنعهم من النار.